|
التعليق
الحمد لله والشكر لله
والثناء لله وحده ، أما بعد:
فقد روى الإمام البخاري
في صحيحه في باب الجنائز وفي
باب الرقاق وفي باب علامات
النبوة: عن عقبة بن عامر رضي
الله عنه ؛ أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم خرج يوماً
فصلى على أهل أحد صلاته على
الميّت ، ثم انصرف إلى المنبر
فقال: ((إني فَرَطٌ لكم ،
وأنا شهيد عليكم ، وإني والله
! لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني
قد أُعطِيتُ مفاتيح خزائن
الأرض ، أو مفاتيح الأرض ،
وإني والله ! ما
أخاف عليكم أن تشركوا بعدي
، ولكن أخاف عليكم أن
تتنافسوا فيها)).
هذا الحديث الشريف رواه
أيضاً مسلم في صحيحه في كتاب
فضائل النبي صلى الله عليه
وسلّم ، باب إثبات حوض نبيّنا
صلى الله عليه وسلم وصفاته
وهو حديثٌ عظيم اعتنى بشرحه
وبيان ما يُستفاد منه من
أحكام ، علماء المسلمين على
مرّ العصور ، وقد اتفقوا على
معنى الحديث ودلالاته ، ولم
يختلفوا فيه سواءٌ في ذلك
المحدّثون منهم أو الفقهاء
وعلى مختلف المذاهب الفقهيّة
الإسلامية المعتمدة.
ثمّ جاء في عصرنا هذا ـ
وهو العصر الذي شهدنا فيه
رحيل العلماء ، وقبض العلم
بقبضهم ، فصارت الساحة مهيّأة
لبروز الجُهّال الذين
يتكلّمون بغير علم ، ويضلّون
الناس ، ويمهّدون للفتن ،
ويذكرهم التاريخ بقبيح ما
فعلوا وهم يشعرون أو لا
يشعرون ـ مَنْ يقلب معنى هذا
الحديث النبوي الشريف ويَخرُج
منه بمفاهيم جديدة تُخالف كلّ
ما قيل فيه منذ أربعةَ عشر
قرناً !!
أتدرون ما المعنى الجديد
؟ إنه نفيُ وقوع الشرك في
الأمّة ، وأنّ الأمّة معافاة
منه ، ولا داعي لتحذير الناس
منه فهم ، بزعم هذا الدَّعي ،
موحّدون ومبرّؤون من احتمال
ورود الشرك عليهم ! وهذا
الأمر خطيرٌ جدّاً أيها
الإخوة ، فإنَّ قَلْبَ
المفاهيم الإسلامية القطعيّة
والبدهيّة والمسلّم بها عند
كل علماء المسلمين ،
والمنسجمة مع البيان القرآني
الإلهي ، عملٌ مخرّب ومدمّر
لأركان هذا الدين ولرأسه
وعموده وذروة سنامه !
ولأوضّح لكم معنى هذا
الكلام أقول مستعيناً بالله:
إنّ معنى هذا الحديث هو أن
النبي صلى الله عليه وسلم
يخبر صحابته الكرام أنه لا
يخشى عليهم أن يُشركوا بعد
موته صلى الله عليه وسلم
ولكنه يخشى عليهم بعد أن
تُفتح لهم الدنيا أن يتنافسوا
فيها ويتقاتلوا لأجلها ،
والخطاب موجّه للصّحابة
الحاضرين ، وليس لعموم من
يطلق عليه اسم صحابي ، بدليل
أنه قد ارتدّ الكثير ممن
يُطلق عليهم اسم صحابة بعد
موته صلى الله عليه وسلم ،
ولكنّ الصحابةَ من المهاجرين
والأنصار الذين نصروا النبي
صلى الله عليه وسلم والذين
تربّوا على يديه صلى الله
عليه وسلم وشاركوا معه في
غزواته المباركة ورضي الله
عنهم في صريح القرآن ، هؤلاء
ما كان للشرك أن يتسلل إليهم
ولكنّ الدنيا أشغلت بعضهم
فوقع منهم التنافس فيها كما
أخبر النبي صلى الله عليه
وسلم ولذلك فإنّ كل العلماء
إنما يوردون هذا الحديث في
معرِض ذكر معجزاته صلى الله
عليه وسلم. وإليكم
كلامهم:
·
جاء في شرح مسلم للنووي:
" وفي هذا الحديث معجزاتٌ
لرسول الله صلى الله عليه
وسلم فإنّ معناه الإخبار بأنّ
أُمّتَه تملك خزائن الأرض وقد
وقع ذلك ، وأنها لا
ترتدّ جُمْلَةً وقد عصمها
الله من ذلك وأنها
تتنافس في الدنيا وقد وقع كل
ذلك " انتهى
·
وجاء في فتح الباري شرح صحيح
البخاري لابن حجر العسقلاني:
" قوله ما أخاف عليكم أن
تشركوا
أي على مجموعكم لأن ذلك قد
وقع من البعض
أعاذنا الله تعالى ، وفي هذا
الحديث معجزات للنبي صلى الله
عليه وسلم ولذلك أورده
المصنف في علامات النبوة "
انتهى من باب الجنائز.
·
وقال أيضاً في شرح الحديث في
باب علامات النّبوّة:
" قوله ولكني أخاف أن تنافسوا
فيها: فيه إنذارٌ بما سيقع
فوقع كما قال صلى الله عليه
وسلم وقد فُتحت عليهم الفتوح
بعده وآل الأمرُ إلى أن
تحاسدوا وتقاتلوا ووقع ما هو
المشاهد المحسوس لكل أحدٍ ،
مما يَشْهَدُ بمصداق خبره صلى
الله عليه وسلم ووقع من ذلك
في هذا الحديث إخباره
بأنه فرطهم أي سابقهم وكان
كذلك ،
وأن
أصحابه لا يشركون بعده
فكان كذلك ،
ووقع ما أنذر به من التنافس
في الدنيا وتقدم في معنى ذلك
حديث عمرو بن عوف رضي الله
عنه مرفوعاً: ((ما الفقر أخشى
عليكم ولكن أخشى عليكم أن
تبسط الدنيا عليكم كما بسطت
على من كان قبلكم)) وحديث أبي
سعيد رضي الله عنه في معناه
فوقع كما أخبر وفتحت عليهم
الفتوح الكثيرة وصُبَّتْ
عليهم الدنيا صباً وسيأتي
مزيد لذلك في كتاب الرقاق "
انتهى
إذاً فعلماء المسلمين
متّفقون على أنّ الخطاب
موجّهٌ إلى الحاضرين من
الصّحابة الكرام ، لا إلى
عموم من كان معاصراً للنبي
صلى الله عليه وسلم من
المؤمنين ، فضلاً عن عموم
أمته صلى الله عليه وسلم التي
تأتي من بعده وتؤمن به إلى
قيام الساعة.
وهذا الكلام الذي قالوه
واتّفقوا عليه سببه:
أولاً ـ أنهم أئمّة وعلماء
يفهمون كلام العرب.
ثانياً ـ أنهم لا ينظرون إلى
أحاديث النبي صلى الله عليه
وسلم منفصلةً ، بل ينظرون
إليها مجتمعةً ، لكي لا
ينسبوا للنبي صلى الله عليه
وسلم التناقض في كلامه ، فهذا
الحديث إنما ورد ضمن مجموعة
أحاديث للنبي صلى الله عليه
وسلم يصفُ فيها حوضه الشريف
وما سيكون من أحداثٍ عنده يوم
القيامة ، فمن ذلك قوله عليه
الصلاة والسلام: " إني فرطكم
على الحوض ، فإيّايَ ! لا
يأتينّ أحدُكم فيُذَبَّ عني
كما يُذبُّ البعير الضّال ،
فأقول: فيم هذا ؟ فيُقال:
إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك
، فأقول سُحقاً ".
وفي رواية أخرى " فأقولُ: يا
ربِّ ! أصحابي ، أصحابي ،
فيُقال: إنك لا تدري ما
أحدثوا بعدك ".
وفي رواية أخرى " فأقولُ: أي
ربِّ ! أُصَيْحَابي ، أصيحابي...
وفي رواية أخرى " فلأقولنَّ:
أي ربِّ ! منّي ومن أمّتي ،
فيقول: إنّك لا تدري ما عملوا
بعدك ، ما زالوا يرجعون على
أعقابهم ".
وفي رواية أخرى " ....
وليردنَّ عليَّ أقوامٌ
أعرفهم ويعرفوني ، ثمّ
يُحال بيني وبينهم " وكل هذه
الرّوايات في الصّحيحين.
فالنبيُّ صلى الله عليه
وسلم يقول أصحابي
ويقول أُصيحابي
ويقول منّي
ويقول أعرفهم ويعرفوني
!!! ثمّ يقول
للمخاطبين في نهاية الحديث:
ولله ما أخاف أن تُشركوا بعدي
! إذاً الكلام وبكل وضوح
موجَّهٌ لصحابة النبي صلى
الله عليه وسلم و لا يمكن
صرفه إلى غير هذا الوجه.
ثالثاً ـ أنهم يدركون أنه لا
يمكن لخطاب النبي صلى الله
عليه وسلم أن يشمل جميع
الأمّة لأنّ إخبار النبي
بشيء يجب أن يقع كما قال ،
والثابت أنّ الأمة بعده حدثت
فيها ردّة كبيرة ، وهذا خلاف
الخبر ، إذاً فإخبار النبي
صلى الله عليه وسلم كان خاصاً
بصحابته دون أدنى شك.
رابعاً ـ أنهم يعلمون مِنْ
حفظهم لكتاب الله عزّ وجلّ
وتدبّرهم لجميع آياته ، أنّ
الله تعالى أخبرنا أن الشرك
موجودٌ ومصاحبٌ للأمّة دائماً
، لأنّ إبليس تعهّد بإضلال
جميع العباد إلا المُخْلَصين
منهم ، فلا يمكن فهم هذا
الحديث إلا في هذا الإطار ،
وإلا لصار الحديثُ مكذِّباً
للقرآن ، والعياذ بالله.
·
قال تعالى: {وما يُؤمنُ
أكثرهم بالله إلا وهم
مشركون}
ومما جاء في تفسير القرطبي
لهذه الآية: ".... وقال عطاء
هذا في الدعاء ؛ وذلك أنّ
الكفّار ينْسون ربّهم في
الرّخاء ، فإذا أصابهم البلاء
أخلصوا في الدّعاء بيانه:
{وإذا مسّ الإنسانَ الضُّرُّ
دعانا لجنبه}.... وقيل:
معناها أنهم يدْعون الله
ينجيهم من الهلكة ، فإذا
أنجاهم قال قائلهم: لولا فلان
ما نجونا ، ولولا الكلب لدخل
علينا اللّص ، ونحو هذا
فيجعلون نعمة الله منسوبة إلى
فلان ، ووقايته منسوبة إلى
الكلب. قلتُ (أي القرطبي):
وقد يقعُ في هذا القول والذي
قبله كثيرٌ من عوام المسلمين
؛ ولا حول ولا قوّة إلا بالله
العلي العظيم. انتهى
فكلام القرطبي دليل على أنّه
يمكن للمسلمين أن يقعوا في
الشرك.
ومِنَ الشرك نوعٌ غير
مغفور ، وهو الشرك بالله
في المحبّة والتعظيم ،
بأن يُحبَّ مخلوقاً كما
يُحبُّ الله. فهذا من
الشرك الذي لا يغفره الله ،
وهو الشرك الذي قال سبحانه
فيه: {ومِنَ الناس مَنْ
يتَّخِذُ مِنْ دون الله
أنداداً يُحبُّونهم كحبِّ
الله...} الآية ـ وقال أصحابُ
هذا الشرك لآلهتهم ، وقد
جمَعَتهم الجحيم: {تا لله إن
كنَّا لفي ضلالٍ مبين ، إذ
نسوِّيكم بِرَبِّ العالمين}
ومعلومٌ أنهم ما سوَّوهم به
سبحانه في الخلْق والرّزق ،
والإماتة والإحياء ، والملك
والقدرة ، وإنّما سوَّوهم به
في الحبِّ و التّألّه ،
والخضوع لهم والتذلل. وهذا
غاية الجهل والظلم.
قال الحافظ ابن كثير: وثَمَّ
شرك خفيّ لا يشعر به غالباً
فاعله ، كما روي عن حذيفة:
" أنّه دخل على مريض ، فرأى
في عَضُدِه سَيْرَاً فقطعه ،
ثمّ قال: {وما يُؤمنُ أكثرهم
بالله إلا وهم مشركون}
وفي الحديث "
مَنْ حَلَفَ بغير الله فقد
أشرك " رواه الترمذي
عن ابن عمر وحسّنه.
وفي الحديث الذي رواه أحمد
وأبو داود وغيره عن ابن
مسعود رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم
: " إن الرقى والتمائم
والتِّوَلَة شرك "
ورواه الإمام أحمد بأبسط من
هذا عن زينب امرأة عبد الله
بن مسعود قالت: كان عبد الله
إذا جاء من حاجة فانتهى إلى
باب ، تنحنح وبزق كراهة أن
يهجم منا على أمر يكرهه. قالت
وإنه جاء ذات يوم فتنحنح ،
وعندي عجوز ترقيني من الحمرة
، فأدخلتها تحت السرير. قالت
فدخل فجلس إلى جانبي ، فرأى
في عنقي خيطاً ، فقال: ما هذا
الخيط ؟ قالت: قلت: خيط
رُقي لي فيه ! فأخذه فقطعه ،
ثم قال: إنّ آل عبد الله
لأغنياء عن الشرك. سمعتُ رسول
الله صلى الله عليه وسلم
يقول: " إن الرقى
والتمائم والتِّوَلَةَ شرك
" قالت: قلت له: لم تقول هذا
، وقد كانت عيني تقذف ، فكنت
أختلف إلى فلان اليهودي
يرقيها ، فكان إذا رقاها سكنت
؟ ! فقال: إنما ذاك من
الشيطان ، كان ينخسها بيده ،
فإذا رقاها كفَّ عنها ،
إنما كان يكفيك أن تقولي كما
قال النبي صلى الله عليه
وسلم: " أذهب الباس ، ربَّ
الناس ، اشف وأنت الشافي لا
شفاء إلا شفاؤك ، شفاءً لا
يُغادر سقما ".
وروى الإمام أحمد عن عقبة بن
عامر قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: " من
علق تميمة فقد أشرك
". وأخرج أيضاً عن عبد الله
بن عمرو قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "
من ردته الطِّيَرَةُ عن حاجته
فقد أشرك ". انتهى
·
وقال تعالى مخاطباً نبيّه
الكريم: {ولقد أُوحي إليك
وإلى الذين مِنْ قبلكَ لئن
أشرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ ولتكوننَّ مِنَ
الخاسرين}
قال القرطبي في تفسيرها: "
وهو خطابٌ للنبيّ خاصّة.
وقيل: الخطابُ له
والمرادُ أمّته ؛ إذ
قد علم الله أنه لا يشرك ولا
يقع منه إشراك " انتهى
وقال القاسمي: " والمُرادُ به
تهييج الرسل وإقناط الكفرة ،
والإيذان بغاية قبح الشرك ،
وكونُه ينهى عنه مَنْ لا
يكادُ يمكنُ أنْ يُباشِرَه ،
فكيف بمن عداه
؟ انتهى
وقد روى الإمام أحمد وأبو
داود والترمذي وصححه عن
أبي بكر الصديق قال: يا رسول
الله علمني شيئا أقوله إذا
أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت
مضجعي قال: قل: اللهم فاطر
السموات والأرض عالم الغيب
والشهادة ربَّ كل شيء ومليكه
أشهد أن لا إله إلا أنت
أعوذ بك من شر نفسي ومن شر
الشيطان وشركه "
فإذا كانت الأمّة معافاة
من الوقوع في الشرك ، فلماذا
يُعلّم رسول الله صلى الله
عليه وسلم أحبَّ أصحابه إليه
أن يتعوَّذ من شرِّ الشيطان
وشركه ؟! ولماذا كان السلف
يقولون في دعائهم: اللهم نعوذ
بك أن نشرك بك ونحن نعلم ،
ونستغفرك مما لا نعلم. كما
ذكر ذلك البغوي وأبو يعلى.
وقد روى البخاري ومسلم
وأبو داود والنسائي ، عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلّى الله عليه
وسلم: " اجتنبوا السبع
الموبقات ، قالوا: يا رسول
الله وما هنَّ ؟ قال:
الشرك بالله ، والسحر
، وقتل النفس التي حرّم الله
إلا بالحق ، وأكل الرّبا ،
وأكل مال اليتيم ، والتّولّي
يوم الزحف ، وقذفُ المحصنات
المؤمنات الغافلات ".
دلَّ هذا الحديث على خطر
وقوع الأمّة في الشرك ، بل
إنه أوّل خطر يهددها كما
رتّبه رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، لأنه لو كانت هذه
الموبقات لا يمكن أن تصاب بها
الأمّة فما معنى أمر النبي
صلى الله عليه وسلم باجتنابها
؟
وذِكرُ أحوال الصحابة في
تخوّفهم من النفاق وحذرهم من
الوقوع في الشرك يطول وأغلب
أخبارهم معلومة عند عامّة
المسلمين ، ولكنّ أهل الأهواء
الذين أعماهم جهلهم وكِبْرُهم
عن هذه الحقائق الدَّامغة ،
صاروا إذا جوبهوا بها فبدل أن
يتوبوا ويُراجعوا أنفسهم
عتَوا واستكبروا وأخذوا
يخترعون شُبهاً يدلّسون بها
على البسطاء والعوام من الناس
؛ فمن ذلك أنّ أحد الجهلة
المُضلِّين قال: الذي حدث بعد
وفاة النبي صلى الله عليه
وسلم لم يكن شركاً بل كان
ردَّةً ! فلا داعي للتخويف من
الشرك. وأمّا الصحابة فكانوا
يخافون النفاق وليس الشرك.
وفي الجواب أقول: قبّح
اللهُ الجهلَ ما أبشعه وكم
يُردي صاحبه ؟ يا هذا وما هي
الرّدة ؟ ألم يكونوا يعبدون
الأصنام ويشركون بالله ، ثمّ
آمنوا بالنبي صلى الله عليه
وسلّم. فلمّا ارتدّوا عن
الإسلام عادوا إلى ماذا ؟
عادوا إلى عبادة الأصنام
وقالوا هؤلاء شُفعاؤنا عند
الله ، وهذا هو الشرك. وأمّا
قوله في النّفاق أنه غير
الشرك ، فهذا أيضاً ممجوج !
ما هو النفاق ؟ أليس هو إظهار
الإيمان وإبطان الكفر ! فهل
الصحابة كانوا يبطنون الكفر ؟
كما يزعم هذا الجاهل ! طبعاً
لا ولكنهم كانوا يخشون أن
يقعوا في الشرك وهم لا يشعرون
، فيكونون كمن يظهر الإيمان
ويبطن الكفر. مع العلم أن
الشرك والكفر لهما في الشرع
مدلول واحد ، وهما مترادفان.
ومن الشبهات الباردة
التي يُلقيها هذا الدَّعي
قوله: لا تلتفتوا إلى الذين
يُحذّرون المسلمين من خطر
الوقوع في الشرك ، ويُنادون
بالتوحيد الخالص ويتحدّثون عن
نواقض التوحيد ، ثمّ يقول
متعجّباً وساخراً هل التوحيد
له نواقض ؟ أجعلتموه كالوضوء
؟
وفي الجواب أقول: نعم إنّ
التوحيد له نواقض ، مثله كمثل
باقي أركان الإسلام التي هي
شهادة ألا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله ، وإقامة
الصلاة ، وإيتاء الزكاة ،
وصوم رمضان ، وحجّ البيت. كما
علّمنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم.
فإذا كان الحجّ له نواقض
والصوم له نواقض والصلاة لها
نواقض والزكاة لها نواقض ،
فلماذا لا يكون لشهادة
التوحيد نواقض ؟؟
وإذا كان التوحيد ليس له
نواقض كما يزعم هذا الدَّعي ،
فما حكم منْ يشهد ألا إله إلا
الله ثمّ يلقي بالقرآن في
المزبلة ؟ أو يسبُّ النبي ،
أو يُنكر الصلاة ، أو ينسب
لله النقص ؟؟
فهل هؤلاء موحِّدون في نظره
؟!
أمّا علماء المسلمين
كافّة فقد حكموا بردّتهم
وانتقاض شهادتهم ، وهم
المعوّل عليهم ، إننا إذا
نظرنا في كتب الفقه الإسلامي
وفتاوى العلماء في مختلف
المذاهب نجدهم دائماً يذكرون
أموراً يقع فيها بعض الجهلة
من المسلمين فيحذّرون منها
ويقولون إنها تُفضي إلى الشرك
والردّة عن الدّين فيجب
استتابة فاعلها وتأديبه.
ففي معظم كتب الفقه هناك بابٌ
خاص لمسائل الردّة والأمور
التي يقع فيها المؤمن فتخرجه
عن الدّين ، سواءٌ كانت
قوليّه أو اعتقادية.
وفي الجواب أقول: أعوذ
بالله من الخذلان وسوء
المنقلب ، إنّ كلامه هذا
لأكبر دليل على أننا في آخر
الزمان. ألم يسمع بحديث سهل
بن سعد رضي الله عنهما قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يشير بإصبعه التي تلي
الإبهام والوسطى وهو يقول:
(بعثتُ أنا والساعة هكذا).
رواه مسلم
فما حالنا الآن بعد أربعة عشر
قرناً من هذا البيان النبوي
الشريف ؟
على كل حال فإنّ كلَّ
شرّاح هذا الحديث يقولون عند
شرح قوله " حتى تلحق قبائل من
أمتي بالمشركين " يقولون:
منها ما وقع بعد وفاته صلى
الله عليه وسلم في خلافة
الصديق رضي الله عنه. انظر
تحفة الأحوذي ، وعون المعبود.
أيريد هذا الدعيّ الجاهل
أن نكذّب كل علماء المسلمين
ونصدّقه ؟ فجميعهم يقولون إنّ
الشرك بدأ ينتشر في الأمّة
بعد وفاة رسول الله صلى الله
عليه وسلّم مباشرة ، ويعُدّون
ذلك من معجزاته صلى الله عليه
وسلّم حيث وقع ما أخبر به
وحذّر من حدوثه. وهذا حديثٌ
آخر يصدّق ما قاله علماء
الأمّة ، فعن أبي هريرة رضي
الله عنه أنّ رسول الله صلى
الله عليه وسلّم قال: "
بادروا بالأعمال
فتناً كقطع الليل المظلم ،
يصبح الرجلُ مؤمناً ويُمسي
كافراً ، ويُمسي
مؤمناً ويُصبح كافراً ،
يبيعُ دينه بعرَضٍ من الدنيا
" أخرجه مسلم والترمذي.
الخِطاب في هذا الحديث
لمن؟ الرسول صلى الله عليه
وسلم يطلب الإسراع بالأعمال
قبل الفتن ، فلمن الخطاب إذاً
؟ وهل يُعقل أن يكون الصحابة
غير مشمولين بهذا الحديث ،
وقد مرّ معنا سابقاً تحذير
النبي صلى الله عليه وسلّم
لهم من التنافس في الدنيا ،
فحصل ما |